محمد عبد الله دراز

113

دستور الأخلاق في القرآن

ضمائرنا ، عندما لا تجد حيثما توجهت غير الظّلام ؟ . . وأين نجد ذلك المخلّص الّذي تعلقت به أنفسنا ، وقد تقاذفتها الشّكوك ؟ . ليس لدينا أمام هذه الأسئلة سوى إجابة واحدة تفرض نفسها ، إذ لا أحد يعرف جوهر النّفس ، وشريعة سعادتها ، وكمالها ، مع الصّلاحية الكاملة ، والبصيرة النّافذة - غير خالق وجودها ذاته : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ « 1 » ؟ . فمن ذلكم النّور اللانهائي يجب أن أقتبس نوري ، وإلى ذلكم الضّمير الأخلاقي المطلق يجب أن أتوجه لهداية ضميري : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 2 » . فبدلا من أن نقول : العقل المحض [ Raison transcendentale ] - يجب أن نقول : العقل العلوي [ raison transcendante ] ، وبدلا من الاستناد إلى تجريد تصوري ذهني - يجب أن نلجأ إلى ذلكم الواقع المحسن ، الحي ، العليم ، الّذي هو ( العقل الإلهي ) ، فنور الوحي وحده هو الّذي يمكن أن يحل محل النّور الفطري ، ذلك أنّ الشّرع الإلهي الإيجابي هو الّذي يجب أن يستمر ، ويكمل الشّرع الأخلاقي الفطري . وفي القرآن يسير العقل ، والنّقل معا ، جنبا إلى جنب ، وهو ما يفهم من قوله تعالى : وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ « 3 » ، وفي قلب

--> ( 1 ) الملك : 15 . ( 2 ) البقرة : 216 . ( 3 ) الملك : 11 .